أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
مقدمة 45
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
لأنّ ما جوّز لي التأريخ قد لا يشمل حالات من هذا القبيل . وعلى أيّة حال ، وحتّى أدرّب نفسي على عدم تحويل المواقف الرساليّة إلى مواقف شخصيّة ، فقد أخذت على نفسي عهداً بالاستغفار والدعاء لمن وقع في كتابي بنحوٍ قد يضعف موقفه ، من الماضين والأحياء ، حتّى من أكاد أطمئنُّ إلى عدم نظافة موقفه ، عسى أن يساهم ذلك في تنزيه الموقف عن كونه موقفاً شخصيّاً . * أمّا المانع الثاني فغير مستقر ؛ لأنّنا لم نؤرّخ لاتجاه واحدٍ من اتجاهات المرجعيّات القائمة ، وإنّما أرّخنا لخطّين نعتقد بأنّهما يكادان أن يكونا متباينين في ما يتعلّق برؤيتهما الكونيّة ، وإذا قدّر للقارئ الانكفاء عن أحدهما ، فإنّه سيتفاعل مع الآخر . ويحلو لي هنا أن أورد نصّاً يسجّل فيه السيّد الصدر ( ره ) بعض ما ينفعنا في المقام ، إذ يقول ( ره ) : « وأتذكّر أنّ شخصاً من أجلّة علماء تبريز ومن المحبّين والمخلصين لنا « 1 » قد كتب لنا بعد صدور تعليقتنا على منهاج الصالحين يطلب السكوت عن فتوى طهارة أهل الكتاب وتبديل ذلك بالاحتياط ، وذكر دامت بركاته أنّ جملةً من الأخيار في تبريز تعوّدوا على استخباث أهل الكتاب ونجاستهم ، فهم ينقبضون عمّن يقول بالطهارة . وقد كتبتُ إليه دامت بركاته أنّي أعلم بذلك ولكنّي ألاحظ في نفس الوقت الآلاف ممّن يهاجر إلى بلاد أهل الكتاب ويقعون في محنة من ناحية القول بالنجاسة حتّى حدّثني [ الثقات ] أنّ جملةً من المتديّنين الذين هاجروا إلى هناك تركوا الصلاة وخرجوا تدريجاً من التديّن رأساً لأنّهم يرون النجاسة محدقة بهم ، فيرفعون يدهم عن أصل الفريضة ، فلو أوقفني المولى القدير سبحانه وتعالى للحساب بين يديه وقال لي كيف سبّبت بعدم إبرازك للفتوى التي تراها لانحراف هؤلاء وإحراج الكثير من الناس واستدراجهم إلى المعصية ، فماذا سوف يقول أقول . إنّني أيّها السيّد الجليل أعاني نفسيّاً وروحيّاً معاناةً شديدةً في مثل هذه المواقف ، وأخشى كثيراً أن أتصرّف تصرّفاً أؤثر فيه مصلحتي الخاصّة على مصلحة الدين ، فأنا أعلم أنّ هناك عدداً من الصالحين والمتشرّعة الأبرار قد أخسرهم شخصيّاً بسبب إبراز الفتوى المذكورة التي هي على خلاف المعهود في أذهانهم ، وقد يقولون ما لنا ولهذا الفقيه ؟ ! ولنتركه . ولكنّ هؤلاء إذا قدّر لهم أن تركوني فلن يتركوا الدين ، وإنّما يتركوني إلى فقيهٍ آخر ، لن يتركوا الصلاة ، لن تتهدّد كرامتهم بشيء . إذن فلن يخسرهم الدين ، وإنّما أخسرهم أنا شخصيّاً إذا لم يوجد من يشرح لهم واقع الحال ويرفع ما في نفوسهم . وأمّا أولئك الذين يقعون في ضائقة من القول بالنجاسة ويصيبهم الضعف الديني تجاه ذلك فيتحلّلون تدريجيّاً من واجباتهم ، فإنّهم سيخسرهم الدين رأساً » « 2 » . ويقول ( ره ) في رسالة أخرى له : « . . . وليست المرجعيّة الصالحة شخصاً ، وإنّما هي هدف وطريق ، وكلّ مرجعيّة حقّقت ذلك الهدف والطريق فهي المرجعيّة الصالحة التي يجب العمل لها بكلّ إخلاص » « 3 » .
--> ( 1 ) يبدو لي أنّه السيّد محمّد علي القاضي الطباطبائي ( رحمةالله ) ( 2 ) انظر أحداث سنة 1397 ه - ( 3 ) انظر أحداث سنة 1399 ه - .